بين صلح الإمام الحسن وثورة الإمام الحسين(ع)

بين صلح الإمام الحسن وثورة الإمام الحسين(ع)
ميزة الحديث عن أهل بيت النبوة(ع) أنه عميق وواسع وشيّق لا يملّ منه السامع ولا يسأم منه القارئ لأن ذكرهم ذكر الله ولأنهم حبل الله الممدود بين الأرض والسماء، ولأن كل ما حصل لهم وصدر منهم كان حاملاً للمنفعة على مستوى الدنيا والآخرة.
وكما كان الإمام الحسين(ع) قريباً من أبيه وأخيه فكذلك كان الإمام الحسن قريباً مما يخطط له أخوه الحسين، ولهذا فقد تعاونا على إنجاح المهمة عبر خطة محكمة رعاها النبي(ص) من قبل، فالحسن(ع) قام بما وجب القيام به، وكذا أخوه الحسين(ع) الذي لعب دور القائد لتلك الثورة التي كانت معركة كربلاء من إحدى خططها.
وقبل الحديث عن دور الإمام الحسن(ع) في ثورة كربلاء وبيان كونه الممهد المباشر لها تجدر الإشارة إلى مفهوم الثورة والفرق بينها وبين المعركة.
فليس كل معركة ثورة، وليست كل ثورة معركة حيث قد يثور الثائر ولا يستلزم ذلك منه أي نوع من أنواع القتال وهذا ما يحدده الظرف وما يفرضه الواقع.
ونحن مرة نتحدث عن معركة كربلاء وأخرى عن ثورة كربلاء، أما معركة كربلاء فلقد بدأت في صباح اليوم العاشر من شهر محرم عام إحدى وستين للهجرة وانتهت في نفس اليوم، وأما ثورة كربلاء فلقد بدأت في عهد رسول الله(ص) ولم تنته عن يومنا الحاضر، ولن أطيل بالكلام عن الثورة حيث سيكون لمفهومها بحث مستقل.
إن موضوع بحثنا هنا هو بيان علاقة صلح الإمام الحسن(ع) بثورة أخيه الإمام الحسين، وهل كان لذلك الصلح تأثير على تحقيق أهداف ثورة كربلاء؟
وهذا ما يحتم علينا تسليط الضوء قليلاً على عهد الإمام الحسن بن علي(ع) حتى نصل إلى النتيجة المبحوث عنها هنا.
لقد فُجع الإمام الحسن(ع) باستشهاد أبيه في الليلة الحادية والعشرين من شهر رمضان المبارك فانتقلت مواريث الخلافة إليه في ظروف بلغت من الضراوة والشدة منتهاها، ففي صبيحة شهادة علي(ع) ولدى العودة من دفن الجسد الطاهر قام الإمام الحسن(ع) خطيباً في المسلمين، فحمد الله وأثنى عليه وصلّى على رسول الله (ص)، ثمّ قال: لقد قبض في هذه اللّيلة رجل لم يسبقه الأولّون بعمل، ولا يدركه الآخِرون بعمل، لقد كان يجاهد مع رسول الله فيقيه بنفسه، وكان رسول الله (ص) يوجّهه برايته ولا يرجع حتّى يفتح الله على يديه، وما خلّف صفراء ولا بيضاء إلاّ سبع مأئة درهم، فضلت عن عطائه أراد أن يبتاع بها خادماً لأهله، ثمّ خنقته العبرة، فبكى وبكى النّاس معه:
ومن أجل أن لا تنحرف الإمامة عن مسارها الصّحيح الأصيل، أضاف بعد ذلك: أنا ابن البشير أنا ابن النّذير أنا ابن الدّاعي إلى الله بإذنه أنا ابن السّراج المنير أنا من أهل بيت أذهب الله عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيراً، أنا من أهل بيت فرض الله مودّتهم في كتابه فقال تعالى: {قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا) ، فالحسنة مودّتنا أهل البيت:
ثمّ جلس، فقام عبد الله بن العبّاس بين يديه فقال: « معاشر النّاس هذا إبن نبيّكم ووصيّ إمامكم فبايعوه ».
فاستجاب له النّاس وقالوا ما أحبّه إلينا وأوجب حقّه علينا وبادروا إلى البيعة له بالخلافة: وكان ذلك يوم الواحد والعشرين من شهر رمضان، يوم استشهاد أبيه (عليه السلام) سنة أربعين للهجرة.
ولمّا بلغ معاوية بن أبي سفيان استشهاد أمير المؤمنين وبيعة النّاس إبنه الحسن دسَّ رجلاً من حمير إلى الكوفة ورجلاً من بني القين إلى البصرة، ليكتبا إليه بالأخبار، ويفسدا على الحسن الأمور.
فعرف الإمام(ع) بذلك، فأمر باستخراج الحميري من عند لحام بالكوفة فأُخرج وأَمر بضرب عنقه، وكتب إلى البصرة باستخراج القيني من بني سليم فأُخرج وضربت عنقه، وكتب الحسن (ع) إلى معاوية:
« أمّا بعد: فإنّك دسست الرّجال للاحتيال والاعتيال وأرصدت العيون كأنّك تحبّ اللقاء، وما أوشك ذلك، فتوقعه، إنشاء الله تعالى ».
لم يقف معاوية عند حدود الإمتناع عن البيعة فحسب وإنما عمل على الإطاحة بالإمام الحسن(ع) وقد أمر باغتياله.
ومن الخطابات التي ألقاها الإمام الحسن(ع) بعد توليه شؤون الخلافة: نحن حزب الله الغالبون، وعترة رسول الله الأقربون، وأهل بيته الطيبون الطاهرون، وأحد الثقلين اللذين خلّفهما رسول الله في أمته، ثاني كتاب الله الذي فيه تفصيل كل شيء، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فالمعوّل علينا في تفسيره، لا نتظنّى تأويله بل نتيقن حقائقه، فأطيعونا فإن طاعتنا مفروضة، إذ كانت بطاعة الله ورسوله مقرونة، قال الله عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) ثم قال: وأحذركم الإصغاء لهتاف الشيطان فإنه لكم عدوٌ مبين فتكونون كأوليائه الذين قال لهم: (لاَ غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ) ثم نزل من على منبره، فرتب العمّال، وأمر الأمراء ونظر في الأمور.
وبعد أن بايعه الناس قام(ع) في إدارة شؤون الدولة فاختار العمّال والولاة على المناطق، ووضع أسس الدولة العادلة والقوية، وفي المقابل كان معاوية بن أبي سفيان يعمل بشكل حثيث على هدم الدولة الإسلامية وتوسيع رقعة حكمه ومنطقة نفوذه.
لقد أحكم الإمام سيطرته على المنطقة الإسلامية باستثناء الشام التي كان يتزعمها معاوية، وقد شكّل ذلك ثغرة واسعة جداً في جسم الدولة.
فمنذ أن بايع الناس الإمام بدأ معاوية بالتخطيط لإثارة الفتنة وزعزعة الأوضاع بهدف إفشال قيادة الإمام الحسن، فأرسل جواسيسه إلى الكوفة والبصرة للبدء بالعمل الشيطاني.
ومن جهة ثانية استطاع الإمام الحسن في هذه الرسالة أن يسحب البساط من تحت معاوية في أن يمتلك زمام المبادرة في تقرير الحرب ضد الدولة الإسلامية ولذلك نجد أن جواب معاوية على رسالة الإمام الحسن كان خالياً من الإثارة حيث جاء بصورة أراد فيها معاوية أن يتملق للإمام وأن يبعد نفسه عن قضية إرسال الجواسيس فقد كتب، أما بعد: فقد وصل كتابك وفهمت ما ذكرت فيه ولقد علمت بما حدث فلم أفرح، ولم أشمت، ولم أيأس:
وبعد أن تمكن الإمام الحسن من أن ينتزع المبادرة من يد معاوية، أرسل الإمام رسالة ثانية أكثر تفصيلاً وتعنيفاً، سلط فيها الأضواء على حقه المشروع في ولاية المسلمين كما بيّن فيها فضائل أهل البيت (عليهم السلام) وحقوقهم، وضمّن الرسالة تهديداً لمعاوية وتحذيره من التمادي في غيّه، وشق الصف الإسلامي.
فرد معاوية برسالة إلى الإمام جاء فيها: قد بلغني كتابك وفهمت ما ذكرت به محمداً رسول الله من الفضل، وهو أحق الأولين والآخرين بالفضل كله، قديمه وحديثه، وصغيره وكبيره، وقد والله بلّغ وأدّى، ونصح وهدى، حتى أنقذ الله به من الهلكة وأنار به من العمى، وهدى به الجهالة والضلالة، فجزاه الله أفضل ما جزى نبياً عن أمته… وذكرت وفاته وتنازع المسلمين الأمر بعده وتغلبهم على أبيك، فصرّحت بتهمة أبي بكر الصديق، وعمر الفاروق، وأبي عبيدة الأمين، وحواريي رسول الله، وصلحاء المهاجرين والأنصار، فكرهت ذلك لك،.. وإنك أمرؤ عندنا وعند الناس غير الظنين، ولا المسيء ولا اللئيم، وأنا أحب لك القول السديد والذكر الجميل، وإن هذه الأمة لم تجهل فضلكم، ولا سابقتكم ولا قرابتكم من نبيكم، ولا مكانكم في الإسلام وأهله، فرأت الأمة أن تخرج من هذا الأمر لقريش، فاختاروا أبا بكر وكان ذلك رأي ذوي الدين، والفضل، والناظرين للأمة، فارفع ذلك في صدوركم لهم التهمة، ولم يكونوا متهمين، ولا فيما أتوا بالمخطئين، ولو رأى المسلمون إنّ فيكم من يغني غناءه ويقوم مقامه ويدب عن حريم الإسلام دبه ما عدلوا بالأمر إلى غيره رغبة عنه ولكنهم عملوا في ذلك بما رأوه صلاحاً للإسلام وأهله، والله يجزيهم عن الإسلام وأهله خيراً.
وقد فهمت الذي دعوتني إليه من الصلح والحال فيما بيني وبينك اليوم مثل الحال التي كنتم عليها أنتم وأبو بكر بعد وفاة النبي! فلو علمتُ أنك أضبط مني للرعية وأحوط على هذه الأمة وأحسن سياسة وأقوى على جمع الأموال وأكيد للعدو لأجبتك إلى ما دعوتني إليه: إلى آخر تلك الرسالة التي حاول معاوية أن يستفز بها الإمام الحسن.
وبعد أن أدرك الإمام(ع) هدف معاوية من وراء مكاتباته له شرع بالتعبئة العسكرية استعداداً للحرب ضد معاوية الذي كان العائق الأكبر في وجه الدولة الإسلامية العادلة.
وقد خطب الإمام بالمسلمين خطاباً كشف لهم فيه عن العديد من الأمور حيث قال(ع): أما بعد: فإن الله كتب الجهاد على خلقه وسمّاه كرهاً، ثم قال لأهل الجهاد من المؤمنين: (وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) فلستم نائلين ما تحبون إلا بالصبر على ما تكرهون، وبلغني أن معاوية بلغه أنّا كنا أزمعنا على المسير إليه فتحرّك، لذلك اخرجوا رحمكم الله إلى معسكركم بالنُخيلة حتى ننظر وتنظرون:
ولكن ردهم على الإمام شكّل صدمة كبيرة له حيث آثروا الإمتناع عن الجهاد بحجة التعب وما شاكل.
وأزاء هذا الرأي المتخاذل قام عدي بن حاتم مستنكراً فقال: أنا ابن حاتم، سبحان الله ما أقبح هذا المقام ألا تجيبون إمامكم وابن بنت نبيكم، أين خطباء المصر الذين ألسنتهم كالمخاريق في الدعة، فإذا جد الجد فرّوا مراوغين كالثعالب أما تخافون مقت الله…
وبعدها أراد الإمام أن يحركهم ويهيأهم للحرب كاشفاً لهم إيجابياتها فقال(ع): معشر الناس: عفت الديار، ومحيت الآثار، وقلّ الاصطبار فلا قرار على همزات الشياطين وحكم الخائنين، الساعة والله صحّت البراهين وفصّلت الآيات، وبانت المشكلات، ولقد كنا نتوقع تمام هذه الآية تأويلها، قال الله عز وجلّ: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ، فلقد مات والله جدي رسول الله (ص)، وقتل أبي (ع)، وصاح الوسواس الخنّاس في قلوب الناس، ونعق ناعق الفتنة، وخالفتم السنّة، فيا لها من فتنة صمّاء عمياء لا يسمع لداعيها، ولا يجاب مناديها، ولا يخالف واليها، أظهرت كلمة النفاق، وسيّرت رايات أهل الشقاق، وتكالبت جيوش أهل العراق، من الشام والعراق، هلّموا رحمكم الله إلى الافتتاح، والنور الوضّاح والحق الذي لا يخفى.
أيها الناس: تيقظوا من رقدة الغفلة ومن تكاشف الظلمة، فوالذي فلق الحبة وبرأ النسمة، لئن قام إليّ منكم عصبة بقلوب صافية وبنيّات مخلصة لا يكون فيها شوب نفاق ولا نية افتراق، لأجاهدن بالسيف قدماً ولأضيقنّ من السيوف جوانبها ومن الرماح أطرافها، ومن الخيل سنابكها فتكلموا رحمكم الله:
وبعد أن تمكن الإمام الحسن(ع) من تجنيد عدد كبير من المسلمين لخوض الحرب ضد زعيم الشام بعث بفرقة قوامها اثنا عشر ألف مقاتل بقيادة عبيد الله ابن العباس، وهي أكبر فرقة عسكرية من جيشه، وقد وجّه الإمام تعاليمه ونصائحه لقائد الفرقة حيث قال له: يا ابن عمّ: إني باعث معك اثني عشر ألفاً من فرسان العرب وقرّاء مصر… فسر بهم وألن جانبك، وأبسط وجهك، وافرش لهم جناحك، وأدنهم من مجلسك، وسر بهم نحو الفرات، حتى تقطع بهم الفرات، ثم تصير بمسكن، ثم امضي حتى تستقبل معاوية فإن أنت لقيته، فاحبسه حتى نأتيك، فإني في أثرك وشيكاً، وليكن خبرك عندي كل يوم، وشاور هذين ـ يعني قيس بن سعد ـ وسعيد بن قيس ـ فإذا لقيت معاوية فلا تقاتلنّه حتى يقاتلك، وإن فعل فقاتله، فإن أصبت فقيس على الناس، وإن أصيب قيس، فسعيد بن قيس على الناس:
وبعد أن تحرك الإمام الحسن بالناس ووصل بهم معسكر المدائن بدأ يعدّ الفرق ويجهز الصفوف لخوض الحرب، وفي هذه الأثناء وصلت رسالة مستعجلة من قيس بن سعد إلى الإمام جاء فيها :إنهم نازلوا معاوية بقرية يقال لها الجنوبية بإزاء مسكن، وإن معاوية أرسل إلى عبيد الله بن العباس، يرغبه في المسير إليه، وضمن له ألف ألف درهم يعجل له فيها النصف، ويعطيه النصف الآخر عند دخوله الكوفة، فانسلّ عبيد الله في الليل إلى معسكر معاوية في خاصته…) وهذا ما جعل الإمام(ع) يذهب باتجاه الصلح الذي هو بعيد كل البعد عن معنى المبايعة.
فعندما خانه جيشه لم يبق أمامه سوى إجراء صلح يضمن به الدين وحياة المسلمين، ولقد حاول بعضهم أن يستعمل هذا الصلح في غير وجهه بهدف تشكيك الناس بقدرة وإخلاص الإمام الحسن(ع) الذي كان حكيماً في جميع ما قال أو فعل.
لقد اضطر الإمام(ع) إلى إجراء صلح مع معاوية حتى يتسنى له النهوض مجدداً ولكن الغيلة كانت أسرع من طموحاته.
ولم يكن للإمام آنذاك خيار سوى ترجيح كفة الحل السلمي لأنه لو استمر في الحرب مع تلك القلة التي صمدت معه لما بقي على وجه الأرض إسلام ولا مسلمون فأرجأ الأمر إلى أخيه الحسين(ع) ليتابع مسيرة الإسلام، وعلينا أن نعرف أنه لولا صلح الإمام الحسن لقُتل هو وأخوه الحسين وجميع المؤمنين وهذا يعني انعدام الإسلام من الأرض، وهنا ندرك بأن صلح الإمام الحسن جزء لا يتجزأ من ثورة كربلاء.



